ملا محمد مهدي النراقي

29

جامع الأفكار وناقد الأنظار

ولم لا يمكن أن يكون الادراك موقوفا على خاصية مجهولة الكنه وقوّة غير معلومة لنا - كالخاصيات والقوى المودعة في المشاعر الظاهرة والباطنة - ، فإذا وجدت هذه الخاصية والقوّة وجد الادراك والتعقّل - سواء كانت في المجرّد أو غير المجرّد - ؟ ! . وأجيب عن الايراد المذكور : بأنّ المانع من التعقّل والانكشاف انّما هو المادّة وعلائقها ، فالشيء الّذي كان مجرّدا نورانيا يكون عالما بذاته لظهور ذاته لذاته ، لانّ الانكشاف هو ضدّ الخفاء والخفاء على الشيء امّا بسب ضعف نوريته وقلّة وجوده ونقص جوهره - كالهيولى الجسمية - أو بسبب ما يكثفه من الأغشية واللبوسات - كالأشخاص الجسمية - ؛ والمجرّد ليس كذلك ، / 116 MB / فيلزم أن لا يخفى ذاته عن ذاته . قال بهمنيار في التحصيل : ولمّا كان وجود المحسوس والمعقول في ذاته وجوده لمدركه وكان وجوده لمدركه نفس محسوسيته ومعقوليته لم يصحّ أن يكون ما وجوده لغيره مدركا لذاته . ومدرك ذاته يجب أن يكون نفس وجوده ادراكه لذاته ، وكلّ ما وجوده لذاته ، فهو مدرك ذاته ، إذ ليس وجوده إلّا كونه مدركا ؛ فالأمور الّتي تدرك ذواتها لا يصحّ أن تكون مقارنة لمادّة وإلّا لكان وجودها لغيرها . وأمّا الأمور المجرّدة عن المادّة فانّها يجب أن تدرك ذواتها ، وإلّا لكان وجودها لغيرها ، فكلّ ما هو محجوب عن ذاته فلمقارنة المادّة هو غير مدرك ذاته . ويشهد بهذا انّ القوى الحسّية - كالبصر واللمس والذوق - لا تدرك ذواتها ، لكونها موجودا بمحالها الّتي هي تلك الأعضاء لا لذاتها « 1 » ؛ انتهى . وهذا المضمون الّذي ذكره بهمنيار قد ذكره غيره أيضا من الحكماء . ولا بدّ لنا أن نوضح المراد منه أوّلا ثمّ نشير إلى انّه هل هو حقّ أم لا . فنقول : الوجود امّا وجود في نفسه - كوجود الجسم - ويسمّى « وجودا محموليا » ، أو وجود لغيره - كوجود البياض للجسم ، ووجود الشاعرية لأوميرس - ، ويسمى هذا الوجود « وجودا رابطيا » ، كقولنا : الجسم كائن أبيض . وأوميرس موجود شاعر . فانّ لفظي « كائن » و « موجود » إنّما هو لمجرّد الحمل والرابطة والمطلوب من ادخالهما بين

--> ( 1 ) راجع : التحصيل ، ص 493 . والسطر الأخير - أي : من قوله : لكونها موجودا . . . إلى قوله : لا لذاتها - لا يوجد في المطبوع من التحصيل .